الشيخ محمد رشيد رضا

80

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 119 : 115 ) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ ، وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ 120 : 116 ) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * قال الأستاذ الامام : إن الآيات السابقة من أول السورة كانت في الحجاج مع أهل الكتاب ، وكذا مع المشركين بالتبع والمناسبة . وأن هذه الآيات وما بعدها إلى آخر السورة في بيان أحوال المؤمنين ومعاملة بعضهم لبعض وإرشادهم في أمرهم ، أي إن أكثر الآيات السابقة واللاحقة في ذلك ثم ذكر لبيان اتصال هذه الآية بما قبلها ثلاث مقدمات 1 ) أنه كان بين المؤمنين وغيرهم صلات كانت مدعاة إلى الثقة بهم والافضاء إليهم بالسر وإطلاعهم على كل أمر ، منها المحالفة والعهد ، ومنها النسب والمصاهرة ، ومنها الرضاعة 2 ) إن الغرة من طبع المؤمن فإنه يبنى أمره على اليسر والأمانة والصدق ولا يبحث عن العيوب ، ولذلك يظهر لغيره من العيوب وإن كان بليدا ما لا يظهر له هو وإن كان ذكيا 3 ) أن المناصبين للمؤمنين من أهل الكتاب والمشركين كان همهم الأكبر إطفاء نور الدعوة وإبطال ما جاء به الاسلام وكان همّ المؤمنين الأكبر نشر الدعوة وتأييد الحق . فكان الهمان متباينين ، والقصدان متناقضين . ثم قال : فإذا كانت حالة الفريقين على ما ذكر فهي لا شك مقتضية لان يفضى النسيب من المؤمنين إلى نسيبه من أهل الكتاب والمشركين والمحالف منهم لمحالفه من غيرهم بشئ مما في نفسه وإن كان من أسرار الملة التي هي موضوع التباين والخلاف بينهم ، وفي ذلك تعريض مصلحة الملة للخبال . لذلك جعل اللّه تعالى للصلات بين المؤمنين وغيرهم حدا لا يتعدونه فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ إلى آخر الآيات